السيد نعمة الله الجزائري
212
الأنوار النعمانية
وقد عرفت أن العبادة هي التواضع للّه سبحانه وأول من سبقهم بهذا ملك الملوك وسلطان السلاطين مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام ، لقد كان له حالات مع ربه في أوقات خاصة يجلس فيها على التراب ويتذرع إلى اللّه تعالى . وفي الرواية عن عروة بن الزبير قال كنا جلوسا في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم فتذاكرنا أعمال أهل بدر وبيعة الرضوان ، فقال أبو الدرداء ألا أخبركم بأقل القوم مال وأكثرهم ورعا وأشدهم اجتهادا في العبادة ؟ قالوا من ؟ قال علي بن أبي طالب ، قال رأيته في حايط بني النجار يدعو بدعوات ، وذكر الدعوات إلى أن قال ؛ ثم انغمر في البكاء فلم أسمع له حسا ولا حركة ؛ فقلت غلب عليه النوم لطول السهر وأوقظه لصلاة الفجر فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة ؛ فحركته فلم يتحرك ؛ فقلت إنا للّه وإنا إليه راجعون مات واللّه علي بن أبي طالب ، فأتيت منزله مبادرا أنعاه إليهم ، فقالت فاطمة يا أبا الدرداء ما كان من شأنه وقصته ؟ فأخبرتها الخبر فقالت هي واللّه يا أبا الدرداء الغشية التي تأخذه من غشية اللّه ، ثم أتوه بماء فنضحوه على وجهه فأفاق ونظر إليّ وأنا أبكي ، فقال ما بكاؤك يا أبا الدرداء ؟ فقلت بما أراه تنزله بنفسك فقال يا أبا الدرداء فكيف فقال يا أبا الدرداء فكيف إذا رأيتني أدعى إلى الحساب وأيقن أهل الجرائم بالعذاب واحوشتني ملائكة غلاظ وزبانية فظاظ فوقفت بين يدي الملك الجبار قد أسلمني الأحباء ورفضني أهل الدنيا لكنت أشد رحمة لي بين يدي من رتخفى عليه خافية ، فقال أبو الدرداء فو اللّه ما رايت ذلك لأحد من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . ولا يجوز للولاة أن يقولوا نحن ملوك ولم يطلب اله تعالى منا العبادة وإنما أراد منا العدالة ، فيدلهم الشيطان بغروره ويستفزهم ، بل يجب أن يتصوروا بأن كلما عظمت النعمة على العبد عظم تكليفه بالشكر عليها ، ولا شكر إلا الطاعة والعبادة والإحسان إلى العباد ، وينبغي أن يعلموا أن طاعتهم من الصلاة والصوم ونحوها يترتب عليها من الثواب الكامل ما لا يترتب على غيرها وذلك لكثرة المشقة عليهم في تحملها لما تعودوا عليه من التنعم والتلذذ . وروي أن أفضل الأعمال أحمزها ، وينبغي لكل وال من الولاة أن يميل إلى حب العلماء والأخيار وأن يكثر مصاحبتهم ومجالستهم ويختار له صاحبا منهم ؛ ويكون عالما ورعا سليم النفس ، راغبا في قضاء حوايج المؤمنين ليجلب للوالي أسباب الثواب . اما حب العلماء فلما روي من قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كن عالما أو متعلما أو محبّا لأهل العلم ولا تكن الرابع فتهلك ، وفي الحديث ان من أحب حجرا حشره اللّه معه والمرء مع من أحب ، وقال عليه السّلام ان اللّه يغفر للمؤمنين ولمحبيهم ولمحبي محبيهم ، فهذا من أفضل الأعمال للولاة وغيرهم ، واما مجلستهم فلما ورد في الخبر من أن جلوس ساعة واحدة مع العالم يعدل من